?
 10 اصابات من رجال الامن و انتهاء كافة مظاهر الاحتجاج في محيط الرابع       الأمير الحسن يرعى اجتماع إطلاق دراسة مراجعة الاستراتيجية "تحقيق هدف التنمية المستدامة المحور الثاني"       الرزّاز: الحكومة ستبدأ فوراً السير بالإجراءات الدستوريّة لإقرار "العفو العام"       وزير الخارجية يلتقي نظيره التونسي       محتجون ينامون في الشارع       صاحب مقولة "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية": أفلست وأعيش أتعس أيامي        مبادرة اماراتية لدفع الالتزامات المالية عن 1700 غارمة      

دولة يهودية تؤسس ديمقراطية عنصرية .... بقلم : حسن أبو هنية

بقلم : حسن أبو هنية 

عقب سنوات من الجدل والنقاش والتداول حول "قانون الدولة القومية اليهودية" منذ تقديمه لأول مرة في عام 2011، صادق البرلمان الإسرائيلي أخيرا في 19 يوليو 2018، على القانون الذي يُعرِّف إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، الأمر الذي يجعل من نظام الفصل العنصري المطبق فعليا حكما قانونيا، ذلك أنه يجسد الركائز الأساسية لنظام الفصل العنصري، الذي يشرعن التمييز كقيمة دستورية قانونية من خلال الالتزام بالتفوق العرقي اليهودي كحجر أساس لمؤسسات الدولة، ولخصت "عدالة، وهي منظمة غير حكومية تعني بحقوق عرب إسرائيل القانون بالقول: إن"هذا القانون محاولة لتكريس التفوق العرقي من خلال الترويج للسياسات العنصرية"، واعتبرته جامعة الدول العربية تأكيدا على"الممارسات العنصرية".

لا جدال أن قانون"الدولة القومية اليهودية"يرسخ عقداً اجتماعياً ملتوياً وإقصائياً، لكنه لم يكن مفاجئا فقد جاء بعد سلسلة من عمليات الإقصاء والتمييز حسب مايكل شيفر عمر-مان؛ ففي حين تستمد معظم الدول الديمقراطية شرعيتها للحكم من موافقة مواطنيها، فقد استثنت إسرائيل واحداً من كل خمسة مواطنين إسرائيليين من ذلك العقد. وبالنسبة إلى الواحد من كل خمسة مواطنين إسرائيليين، والذين هم العرب الفلسطينيون، تمت إزالة شرط الموافقة فعلياً من حكمهم، وطالما كان الحكم من دون موافقة هو القاعدة، وليس الاستثناء، بالنسبة لمعظم الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل النظام الإسرائيلي على مدى السنوات السبعين الماضية. منذ العام 1948 وحتى العام 1966، وضعت إسرائيل مواطنيها العرب تحت نظام عسكري يسيطر بإحكام على كل شيء، من التنقل إلى التعليم إلى السياسة إلى الصحف، وخلال السنوات الإحدى والخمسين التي تلت ذلك، أُجبر ملايين الفلسطينيين من غير المواطنين في الأراضي المحتلة على العيش تحت ديكتاتورية عسكرية غير ديمقراطية. وبالمثل، فإن مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون في "القدس الموحدة" ليس لهم الحق في التصويت، إذ لم تكن الموافقة أبداً جزءاً من المعادلة بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي. ولم يتكلف أحد حتى عناء إعطاء الفكرة خدمة كلامية.

يرسخ القانون هوية دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، ويحولهم إلى موقع السيادة، بينما يستبعد السكان الفلسطينيين من التعريف نفسه للسيادة، حسب المحامي في مركز "عدالة"، فادي خوري، ويصل عدد العرب في إسرائيل إلى نحو 1.8 مليون شخص أي حوالي 20 بالمئة من عدد السكان البالغ تسعة ملايين نسمة، حيث يعد القانون الذي سمي بـ"القانون الأساسي: إسرائيل بوصفها دولة قومية للشعب اليهودي"، تشريعا يُعرف إسرائيل بشكل أساسي بأنها دولة يهودية أولا وأخيرا، ويصف إسرائيل بمحافظاتها (مناطقها الإدارية) الـ 11 بأنها "الوطن القومي للشعب اليهودي" وينص على أن حق تقرير المصير هو حق خاص للشعب اليهودي، كما يؤكد على وضع القدس في القانون الإسرائيلي، الذي يعرف المدينة بأنها "كاملة وموحدة عاصمة لإسرائيل"، كما يشير القانون إلى أن العبرية "لغة الدولة" الأساسية، الأمر الذي يهمش مكانة العربية التي ظلت لعقود طويلة تعد لغة رسمية ثانية إلى جانب العبرية، وفي إحدى عباراته، شدد القانون على أهمية "تنمية المستوطنات اليهودية بوصفها قيمة وطنية".

لم يكن القانون الجديد سوى حلقة من سلسلة طويلة من التمييز العنصري والإرهاب، فقد قامت المستعمرة الاستيطانية اليهودية في فلسطين على أسس ابستمولوجية دينية عرقية تفوقية إرهابوية عنيفة، حيث انخرط اليهود بتشكيل عصابات منظمة، مارست كافة أشكال الإرهاب وأصناف القتل والجرائم والتطهير بحق الشعب الفلسطيني، وقد وصم الصهاينة بـ"الإرهابيين"من طرف الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية آنذاك، لكن تلك الصورة لن تصمد طويلا، حيث سيتحول وصم"الإرهاب"إلى الفلسطينيين من طرف الإمبراطورية البريطانية ثم الأميركية، فضلا عن المستعمرة الاستيطانية إسرائيل، والتي أصبحت توصف أميركيا وأوروبيا بـ"الديمقراطية"الوحيدة في المنطقة، رغم تأكيداتها على هويتها العنصرية والعرقية دون مواربة تحت مبدأ "يهودية الدولة".

تصور الصحافة الدولية والخطاب الرسمي الإسرائيلي رفض إسرائيل المتواصل لتبديل طبيعتها اليهودية العرقية التفوقية أو لتبديل سياساتها العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، على أنه دفاع عن مبادئ إسرائيل"الديمقراطية"وعن شعب يهودي توقف اضطهاده التاريخي لمجرد دخول الصهيونية على الخط حسب جوزيف مسعد، ولكن السبيل الوحيد لكي تكتسب هذه الأقوال أي قوة إنما هو في سياق الالتزام الدولي (الغربي) بالتفوقية اليهودية، حيث يعتبر اليهود كأوروبيين بيض يدافعون عن القيم والحضارة الأوروبية البيضاء ضد قطعان العرب البدائيين، فالحجر الأساس في الفكر التفوقي العرقي اليهودي، هو الالتزام بإنشاء دولة يهودية يكون لليهود فيها، كانوا "شعبا مختارا"، أم أوروبيين يحملون رسالة تمدينية، أم مجموعة مضطهدة تاريخيا ينبغي تحريرها أيا يكن الثمن، حقوق تفوق حقوق الأغيار وكل ما يستتبع مثل هذا النظام التفوقي العرقي من عدة وعتاد، إن التفوقية اليهودية هي ما يجعل قضية إسرائيل بوصف هذه الدولة يهودية بدلا من أن تكون إسرائيلية، أمر بالغ التقديس، لا يمكن تبديله، لأن ذلك سيكون شأنا غير عملي، وإن التزام هذه النزعة هو ما يجعل من عودة اللاجئين الفلسطينين"خطرا ديموغرافيا يهدد الغالبية اليهودية في إسرائيل؛ وهي غالبية باتت كذلك تحديدا لأن الفلسطينيين الذين يسعون اليوم إلى العودة إلى أراضيهم وبيوتهم قد سبق أن طردوا منها أصلا، وأن ذلك الإلتزام هو الذي يواصل شرعنة معاملة الفلسطينيين داخل حدود 1948 كمواطنين من الدرجة الثالثة، وهو الذي يشرع استمرار الاحتلال صمام أمان أمام التهديدات الموجهة إلى إسرائيل كدولة عرقية تمييزية يهودية.

إنَّ الوضع الخطابي لليهود الأوروبيين هو الذي يَحكُم كيفية رؤيتهم في الغرب بالعلاقة مع فلسطين، وكيفية رؤيتهم للعالم العربي، من قبل الفلسطينيين على وجه الخصوص حسب ادوارد سعيد، فبينما يُعتبَرُ اليهود الأوروبيون في الغرب، لاجئون فارون من النازية, ومن الترويع اللاحق في أوروبا ما بعد المحرقة، وناجون من حرب إبادة وضحايا للالتزامات البريطانية نحو العرب، يَنظُر الفلسطينيون إلى اليهود الأوروبيين من خلال تجربتهم الخاصة والمباشرة، فبالنسبة للفلسطينيين، لم يَصِل اليهود الأوروبيون كلاجئين وإنما كغزاة، هدفهم الوحيد الاستيلاء على فلسطين بكل الوسائل المتاحة من أجل تحقيق المطامح الصهيونية، والتي تجلت قبل صعود هتلر إلى السلطة، تبعا لذلك لا يَنظُر الفلسطينيون إلى اليهود الأوروبيين كلاجئين لا حول لهم ولا قوة بل كمستعمِرين مسلحين يقترفون المذابح.

في هذا السياق فإن مصدر الدعم الأوروبي والأميركي لليهود اللاساميين القاطنين في إسرائيل، وليست مصادفة على الإطلاق في هذا الصدد، فأن تكون الأصولية المسيحية المعادية للسامية هي أشد مناصري إسرائيل في الولايات المتحدة، ذلك أن الصهيونية قد وعت ذلك تماما، كونها قد بنت مشروعها بالكامل على هذا التوقع والافتراض الصائب، كما بيّن مسعد في كتابه "ديمومة المسألة الفلسطينية"، فلا جدال اليوم، حتى في أوساط كثير من الإسرائيليين، بأن وقع الصهيونية على الشعب الفلسطيني خلال الأعوام المئة الأخيرة يشمل: طرد غالبية الفلسطينيين من اراضيهم وبيوتهم، ومن ثم مصادرة ممتلكاتهم لصالح اليهود حصرا، ومنع اللاجئين من العودة، كما يشمل فرض نظام ابارتايد عسكري على الفلسطينيين الباقين داخل حدود 1948 حتى عام 1966، حين تحول بعد هذا التاريخ إلى نظام تمييز مدني يتسم بنزعة التفوق العرقي اليهودي، وهو يشمل ايضا اخضاع الضفة الغربية وقطاع غزة وساكنيهما لاحتلال عسكري، ولنظام أبارتايد طوال الأعوام الخمسة والثلاثين الاخيرة، ولاستعمار متواصل لهذه الاراضي المحتلة، ولذلك لا غرابة أن بقتصر الموقف الأميركي الأوروبي من القانون على مجرد التعبير عن حالة من القلق، دون الإشارة إلى عنصرية ولا ديمقراطية القانون، لكن ما هو مؤكد هو تنامي الشعور بالقلق على إسرائيل طبعا وليس على الفلسطينيين، ولا على قيم الديمقراطية.عن (الرأي)





   أضف تعليقاً
الإسـم:
البريد الإلكتروني:
التعليق: