?
 ترامب: إيران تشعل حرائق الشرق الأوسط.. ولن تمتلك النووي أبدا       البحرين ترصد شبكة مسيئة للأمن        الشرطة المصرية: مقتل 12 إرهابيا خلال مداهمات أمنية        النيابة السويدية تطلب من المحكمة إصدار أمر اعتقال لمؤسس ويكليكس       شرطة مكة تكشف هوية خمسينية خطفت الرضيعة من المستشفى       عجز ميزانية لبنان 8.3% من إجمالي الناتج العام       كونوا للوطن .... بقلم : يوسف الحمدني      

دونالد ترمب.. جدران لا جسور .... بقلم : إميل أمين

بقلم : إميل أمين

ما الذي بات الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمثله لمواطنيه وللعالم؟ وما الصورة التي يعكسها اليوم عن أميركا والحلم الذي داعب وشاغب عقول الأمم بشأنها منذ خمسينات القرن الماضي وحتى الساعة؟

قبل الجواب دعونا نتذكر أهم شعار مال إليه الأميركيون منذ تأسيس دولتهم التي ستضحى لاحقا واحده من أهم الامبراطوريات عبر التاريخ، وربما تتجاوز نظيرتها الرومانية، كان الشعار هو " مدينة فوق جبل"، وهو تعبير توراتي يعبر وبعمق عن طبيعة الازدواجية التي تلف الكيان الأميركي، ذلك أنها تعلن نفسها رسميا دولة علمانية الهوية، إلا أنه في واقع الحال نجدها مغرقة في الهوى الديني.

مدينة فوق جبل تنير للعالم بأضواء الحلم، العمل، المنزل، الحرية الشخصية، ممارسة الشعائر الإيمانية مهما اختلفت الانتماءات الدينية، التطلع إلى مستوى أرقى وأفضل على كافة الصعد الحياتية.

وفي الحق فقد جرت المقادير عبر عقود طوال ببعض من جوانب هذا الحلم، غير أنه وكشأن كل متغير في عالم السياسة الدولية، خفت الحلم لا سيما منذ الحادي عشر من سبتمبر وحتى اليوم، إلى الدرجة التي جعلت "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية في زمن الرئيس "بيل كلينتون" ترى أن بلادها أضحت "جمهورية الخوف".

لا يصلح الخوف البتة أن يكون قاعدة أو أرضية لبناء الأحلام، بل يقطع الطريق عليها، ويئدها إن جاز التعبير في مهدها، ولهذا بدا كأن الأميركيين أرادوا التغيير الجذري بعد ثماني سنوات من حروب بوش الاستباقية وخططه لمقارعة الإرهاب بمطارق من الحديد، وأضحى كمن يهش الذباب براجمات الأحجار في العصور القروسطية، ومن بعده ثماني سنوات لرئيس أعطى الأميركيين من طرف اللسان حلاوة في أول الأمر، لا سيما بعد أن حدثهم طويلا عن الأمل، وفي نهاية ولايته الثانية صحا الجميع على أنهم عاشوا خدعة كبرى لرجل تسبب في مآسٍ عديدة لا سيما للشرق أوسطيين بنوع خاص، وللأميركيين بوجه عام، حيث فرغ الكثير من مربعات القوة والنفوذ لصالح الند الروسي الذي بات قادراً على منافسته وتجاوزه حول العالم.

في هذا السياق الأميركي الملتبس فضل الأميركيون رئيسا من خارج المؤسسة السياسية التي بات الجميع ينظر لها نظرة متدنية بشكل بالغ، ومن هنا كان اختيار دونالد ترمب للبيت الأبيض عساه يقوم ما قد اعوج عبر ست عشرة سنة من قيادة أميركية مضطربة.

المثير في شأن الرئيس ترمب أن الرجل لم يدارِ أو يوارِ شيئا مما يفعله الآن، فكل ما قيل همسا في المخادع ها هو ينادي به جهرا من فوق السطوح، فقد تحدث عن رؤيته لأميركا العظيمة ورقم واحد، والتي لابد لها من أن تهتم فيما هو لنفسها، وأن لا تشغل ذاتها كثيرا بالعالم الخارجي، فهي ليست شرطية العالم أو دركه، كما أنها ليست "السامري الصالح" الذي يفعل الخير للآخرين محبة وكرامة.

حين دلف ترمب إلى البيت الأبيض كان من الواضح للغاية أن الرجل رغم أنه صانع صفقات عقارية، أي أن كيان عمله الرئيس يرتبط بالبناء، إنه ليس له دالة على بناء الجسور مع الآخرين بل إقامة الجدران العازلة، كضرب من ضروب التنكر للآخر ومحاولة عزله وإقصائه بعيدا جدا، وبعقلية الجيتو التي تحكمت في شعوب وجماعات عرقية بعينها في القرون الوسطى أوربيا تحديدا.

أولى الجدران التي أقامها الرئيس ترمب كانت مع العرب والمسلمين عبر قراراته الرئاسية التنفيذية والتي اعتبر أنها تحصن أميركا من الشر المستطير القادم من الشرق، وبناء عليه اتخذ خطوات لمنع دخول مواطني دول إسلامية، وفي تقديره أنهم أصل كل الشرور، وهو أمر يمكن للمرء أن يتفهمه من رئيس لا دالة له على التفكير السياسي المعمق أو البحث في أضابير التاريخ القريب وليس البعيد حيث يجد إرهابا يمينيا أميركيا داخليا متصاعدا، ومن خلفه دعوات تفكيكية للاتحاد الأميركي تزعج ولاة الأمر في الحال والاستقبال.

الجدران العالية التي يميل ترمب إلى بنائها لم تعد قاصرة على خارج الحدود الأميركية، بعد أن أضحت قضية الجدار الفاصل مع المكسيك شغله الشاغل، ووعده بأن يبني جدارا يحتاج إلى متسلقي قمة إيفرست لتجاوزه حسب تعبيره.

تكشف المعركة الأخيرة بين ترمب والديمقراطيين عن خلفيات مثيرة توجه سياسات الرئيس ترمب، وربما من قبل أن يضحى رئيسا أي منذ زمن ترشحه، فالرجل لم ينفك يغازل الجماعة العرقية الأميركية المعروفة باسم "الواسب" أي الانجلوساكون بروتستانت، أولئك الرجال البيض الذين يعتقدون جازمين أن الدولة التي عملوا على بنيانها سوف تضيع من بين أياديهم خلال عقدين أو ثلاثة على الأرجح، بسبب ازدياد الهجرة والمهاجريين غير الشرعيين والشرعيين على حد سواء. القضية إذاً أبعد كثيرا من مجرد الرؤى الطهرانية التي يتحدث عنها ترمب والخاصة بمكافحة المخدرات، أو الاتجار في البشر، لاسيما أن الجميع يعلم أنه في الولايات الجنوبية هناك حاجة ماسة إلى الأيادي العاملة من الجماعة اللاتينية، خاصة في الحقول الواسعة والفسيحة في تكساس، الولاية التي يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي التريليون ونصف تريليون دولار، كما أن استدعاءه لمن قدمهن للمجتمع الأميركي باسم "الأمهات الملائكة"، وهن سيدات فقدن أبناءهن في جرائم ارتكبها مهاجرون غير شرعيين، ليس أكثر من بروباغندا إعلامية ومحاولة لاكتساب مزيد من أصوات الكتلة الكبيرة الواقفة على حافة الاختيار بين الديمقراطيين والجمهوريين في انتخابات الرئاسة 2020.

جدران الرئيس الأميركي تجد في واقع الحال الكثير من المقاومة في الداخل الأميركي، ويرجح أن يمضي الديمقراطيون في مجلس النواب وبرئاسة نانسي بيلوسي بنوع خاص إلى المحكمة العليا في محاولة لإفشال مساعي الرئيس، والناظر إلى ولايتي نيويورك وكاليفورنيا يدرك تمام الإدراك أن غضبا ساطعا سينال الرئيس، إذ لا يزال هناك من يؤمن بجدوى الجسور وعدم فاعلية الجدران، والولايتان على بعدهما تمثلان نضارة الحلم الأميركي، حيث حط المهاجرون الأوائل على الساحل الشرقي أول الأمر، وتاليا كان الانتشار عبر ثلاثة قرون وصولا إلى الغرب.

إلى أين يمضي الرئيس ترمب بالولايات المتحدة الأميركية وهل من جسور أخرى يحاول هدمها عوضا عن بناء المزيد منها، وليس مراكمة الجدران فحسب؟

الناظر لما يجري بين واشنطن وبروكسل ومن جراء البراغماتية الترمبية غير المستنيرة، غالبا ما سيدرك أبعاد مستقبل العلاقة بين جانبي الأطلسي، تلك التي دامت سبعة عقود وأزيد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة، وليس ادل على ذلك من توجه الأوروبيين إلى بناء جيش أوروبي موحد، قد يكون البديل العقلاني للجسر الأميركي الذي كان.

الخلاصة.. الجدران لا تفيد.. فيما الجسور تبقى هي الحل. عن (الحياة) اللندنية

 





   أضف تعليقاً
الإسـم:
البريد الإلكتروني:
التعليق: